التميّز ليس عملاً نقوم به، بل عادة نمارسها. كيف ذلك؟
- Muna Zain

- 12 أكتوبر
- 3 دقيقة قراءة
تُظهر الأبحاث العلمية أن الدماغ أكثر قدرة على التكيّف مما كنا نظن. فهو يمتلك قابلية تشكيل وإعادة تشكيل المسارات العصبية بشكل مستمر، كما أن عملية توليد الخلايا العصبية الجديدة (Neurogenesis) يمكن أن تستمر طوال حياتنا —وهذا يعني أن الدماغ لديه القدرة على التغيير.

لكن هذا التغيير لا يبدأ إلا عندما نبدأ نحن بالفعل. فكل تغيير حقيقي يبدأ بخطوة. ومع تزايد الضغوط في حياتنا اليومية، تُظهر الدراسات أن أدمغتنا تميل إلى اتخاذ القرارات بشكل تلقائي أو اعتيادي لتوفير الطاقة الذهنية. وكما أن المشاعر الإيجابية قادرة على إعادة برمجة الدماغ، فإن المشاعر السلبية مثل القلق والتوتر تمتلك التأثير نفسه —ويُعرف ذلك باسم طاقة الدماغ (Brain Energy). ونظرًا لأن الدماغ يسعى إلى توفير الطاقة، فهو يميل إلى اتباع الطريق الأسهل، أي الاعتماد على العادات المألوفة في اتخاذ القرارات. ببساطة، الدماغ يعود دومًا إلى عاداته.
فهم العادات
الأفعال التي نكررها بانتظام هي ما يشكّل عاداتنا. وتشير الأبحاث إلى أن نحو 43٪ من أنشطتنا اليومية هي في الواقع سلوكيات اعتيادية. تترك هذه الأنشطة بصمة دائمة في المسارات العصبية، ونظرًا لطبيعتها التلقائية، فإنها تعمل في الخلفية دون وعي كامل منا.
خلال دراستي في برنامج القيادة بجامعة كورنيل، وخاصة في مقرر “تحقيق التغيير الاستراتيجي” (Making Strategic Change Happen)، أثارت اهتمامي فكرة تكوين العادات كما شرحها تشارلز دويج (Charles Duhigg) في كتابه الشهير قوة العادة (The Power of Habit)، الذي يسلّط الضوء على آلية عمل العادات وعناصر حلقة العادة (Habit Loop) الأساسية.

حلقة العادة (التعوّد)
المثير – الروتين – المكافأة
يعتقد دويج أن تغيير العادات السلبية وتكوين عادات إيجابية يصبح أسهل عندما نفهم كيف تعمل العادات. تتكوّن حلقة العادة من ثلاثة عناصر رئيسية:
المثير (Cue): المحفز الذي يطلق السلوك.
الروتين (Routine): الفعل أو السلوك نفسه.
المكافأة (Reward): النتيجة الإيجابية التي تجعلنا نرغب في تكرار السلوك.
المثير قد يكون تصرّفًا سابقًا، أو وقتًا محددًا، أو مكانًا معينًا، أو محفزًا داخليًا. بمجرد أن يربط الدماغ هذا المثير بالسلوك، تبدأ العادات في التكرار تلقائيًا. أما الروتين فهو الفعل الذي يشكّل العادة، في حين أن المكافأة — سواء كانت شعورًا جيدًا أو نتيجة ملموسة — هي ما يعزز استمرارية العادة.

تغيير العادات
الاستراتيجية ليست إلغاء العادات القديمة، بل استبدالها بعادات أفضل. السر في تغيير العادات يكمن في الحفاظ على المثير والمكافأة، وتبديل الروتين. فالعادات الراسخة قد تصبح تلقائية لدرجة أننا لا ندرك محفزاتها أو مكافآتها. وقد تبدأ بدافع هدف محدد، لكن مع مرور الوقت يتلاشى الهدف وتستمر العادة تلقائيًا. ومن المثير للاهتمام أن المكافآت غير المتوقعة أو المتقطعة قد تكون فعّالة جدًا في تحفيز عادات التعلم والنمو الشخصي.
عادات التميّز
يُطلق على بعض العادات اسم العادات المحورية (Keystone Habits) —وهي تلك التي تساعد على تكوين عادات إيجابية أخرى. فبمجرد تبنّي عادة محورية، تبدأ سلسلة من التغييرات الإيجابية التي تؤثر على سلوكيات أخرى. تولّد هذه العادات ما يُعرف بـ “الانتصارات الصغيرة” التي تتراكم بمرور الوقت لتُحدث تحوّلًا كبيرًا. من أمثلة هذه العادات: الرياضة والتأمل،
إذ تساعد على بناء روتين جديد يفتح الباب أمام تحولات إيجابية أخرى. وبكلمات أخرى، العادات الجيدة معدية.
عندما يتبنّى الأفراد عادات محورية إيجابية، تزداد احتمالية ممارستهم أنشطة صحية ومنتجة أخرى، مما يخلق تفاعلًا متسلسلًا من التحسينات الذاتية.
ليس كل العادات المحورية إيجابية، لكن الالتزام بعادة جيدة واحدة فقط يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في حياتك. إن تحويل كل سلوك إيجابي صغير إلى عادة دائمة هو الخطوة الحقيقية نحو تغيير مستدام.
خطوات عملية لتغيير العادات
رغم أن التغيير الشخصي ليس سريعًا أو سهلًا، يمكنك البدء باتباع توصيات دويج عبر الخطوات التالية:
حدد الروتين الذي ترغب في تغييره.
جرّب مكافآت مختلفة حتى تجد ما يحفزك.
اعزل المثير لمعرفة ما يطلق العادة.
ضع خطة تدريب حتى يصبح الروتين الجديد تلقائيًا.
خلاصة
كما قال أرسطو: "نحن ما نفعله مرارًا وتكرارًا. التميّز إذن ليس عملًا نقوم به، بل عادة نمارسها."
فإذا أردت التعمق أكثر في هذا الموضوع، أنصحك بقراءة كتاب "قوة العادة" (The Power of Habit) لتشارلز دويج — فهو دليل عملي لفهم كيف تُبنى العادات... وكيف يمكننا إعادة تشكيلها لتحقيق التميّز.
References




تعليقات